Facebook WhatsApp
موقع المروانية
راشد شاتيلا : لبنان كفكرة جامعة حين تصنع القوانين الوحدة ويصنع الإنسان النهضة
DATE: 10.02.2026

 

 

لا تمرّ الأوطان بالأزمات عبثًا، بل لتُعيد طرح الأسئلة الكبرى حول معناها ووظيفتها وحدودها. وفي الحالة اللبنانية، تبرز الوحدة الوطنية لا بوصفها ردّ فعل على الخطر، بل كخيار واعٍ لحماية المجتمع من التفكك. فالوحدة ليست إلغاءً للاختلاف، بل قدرة الدولة على تحويل التنوّع إلى توازن، والاختلاف إلى طاقة منتجة، عبر احترام القوانين فالقانون يشكّل الإطار الجامع للجميع.

 

إن سيادة القانون هي الامتحان الحقيقي لأي حديث عن وحدة وطنية. فالقانون، عندما يُحترم ويُطبّق دون تمييز، لا يحفظ الحقوق فحسب، بل يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة ذاتها. أما حين يُهمَل بحسب المصالح، تتحوّل الوحدة إلى شعار هشّ، ويفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، مهما حسنت النيّات.

 

وفي مسار النهوض، يشكّل المغتربون اللبنانيون بعدًا استراتيجيًا لا يمكن فصله عن الداخل. فهم ليسوا فقط داعمين اقتصاديين، بل حَمَلة تجربة دولة، وثقافة مؤسسات، ومعايير عمل حديثة. إن إشراك الاغتراب في بناء لبنان المزدهر، من خلال قوانين واضحة، وفرص عادلة، ومشاركة سياسية حقيقية، يحوّل الاغتراب من ذاكرة حنين إلى شراكة مستقبل.

 

وتأتي الانتخابات النيابية في هذا السياق بوصفها محطة مفصلية، لتجديد الشرعية وتعزيز الثقة بالدولة. إن إجراؤها في مواعيدها الدستورية يُعبّر عن احترام القانون، ويؤكّد أن الاستقرار لا يُبنى بالتأجيل بل بالالتزام. كما أن مشاركة المغتربين في الانتخابات تُعيد التوازن للتمثيل الوطني، وتُشرك اللبنانيين المنتشرين في العالم في رسم الخيارات الكبرى لوطنهم.

 

ولا يمكن لأي مشروع نهوض أن يكتمل من دون إعادة إعمار الجنوب، ليس كترميمٍ لما تهدّم فحسب، بل كبناءٍ جديد لعلاقة الإنسان بأرضه. فالمستشفيات والمدارس التي تُشيَّد اليوم يجب أن تكون صديقة للبيئة، مستدامة في مواردها، وقادرة على خدمة المجتمع دون الإضرار بالطبيعة. الإعمار الواعي هو تعبير عن احترام الحياة، لا مجرّد استجابة لحاجة طارئة.

 

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز دور الشباب اللبناني، لا كعنوان ، بل كفاعل أساسي في إعادة إنتاج الدولة. فالشباب، بما يحملونه من وعي وحسّ مدني وانفتاح على العالم، قادرون على كسر أنماط الفوضى، وترسيخ ثقافة المؤسسات، وربط القضايا الوطنية بقيم المسؤولية والاستدامة. إن تمكين الشباب هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية.

 

وفي مسيرة الوطن، تبقى القيم التي تحمي الدولة في لحظات الاختبار موضع احترام وتقدير. ومن هذا المنطلق، أتوجّه بتحية تقدير إلى دولة الرئيس الأستاذ نبيه بري، لما يمثله من تمسّك ثابت بالوحدة الوطنية، وإيمان عميق بالحوار كمسار جامع، وبالمؤسسات كضمانة للاستقرار. إن هذا النهج المتزن و النبيل ، القائم على الحكمة والهدوء، يجسّد معنى المسؤولية في العمل العام، ويؤكّد أن السياسة، حين تُمارَس بعقل الدولة وروحها، يمكن أن تكون عنصر تماسك وبناء لا سبب انقسام.

 

في الخلاصة، إن لبنان لا ينهض بالخطابات وحدها، بل بفكرة جامعة تُترجم قوانين محترمة، ومشاركة سياسية شاملة، وإعمارًا يحترم الإنسان والبيئة، واغترابًا شريكًا، وشبابًا صانعًا للتغيير. عندها فقط يتحوّل الوطن من مساحة أزمات إلى مشروع دولة.

 

راشد شاتيلا سياسي لبناني